أحمد مصطفى المراغي
32
تفسير المراغي
وإنما قال مالك يوم الدين ، ولم يقل مالك الدين ليعلم أن للدين يوما معينا يلقى فيه كل عامل جزاء عمله . والناس وإن كانوا يلاقون جزاء أعمالهم في الدنيا باعتبارهم أفرادا من بؤس وشقاء جزاء تفريطهم في أداء الحقوق والواجبات التي عليهم - فربما يظهر ذلك في بعض دون بعض ، فإنا نرى كثيرا من المنغمسين في شهواتهم يقضون أعمارهم وهم متمتعون بلذاتهم ، نعم إنهم لا يسلمون من المنغّصات ، وربما أتتهم الجوائح في أموالهم ، واعتلّت أجسامهم ، وضعفت عقولهم ، ولكن هذا لا يكون جزاء كاملا لما اقترفوه من عظيم الموبقات ، وكبير المنكرات ، كذلك نرى كثيرا من المحسنين يبتلون بهضم حقوقهم ولا ينالون ما يستحقون من حسن الجزاء ، نعم إنهم ينالون بعض الجزاء بإراحة ضمائرهم وسلامة أجسامهم وصفاء ملكاتهم وتهذيب أخلاقهم ، ولكن ليس هذا كلّ ما يستحقون من الجزاء ، فإذا جاء ذلك اليوم استوفى كل عامل جزاء عمله كاملا إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، جزاء وفاقا لما عمل ( وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) ، ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) . أما الناس باعتبارهم أمما وجماعات فيظهر جزاؤهم في الدنيا ظهورا تاما ، فما من أمّة انحرفت عن الصراط السوي ، ولم تراع سنة اللّه في الخليقة إلا حلّ بها ما تستحق من الجزاء من فقر بعد غنى ، وذلّ بعد عزة ، ومهانة بعد جلال وهيبة . وقد جاء قوله : ( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) إثر قوله : ( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ليكون كترهيب بعد ترغيب ، وليعلمنا أنه تعالى ربّى عباده بكلا النوعين من التربية ، فهو رحيم بهم ، ومجاز لهم على أعمالهم كما قال : ( نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ) . ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) العبادة خضوع ينشأ عن استشعار القلب بعظمة المعبود اعتقادا بأن له سلطانا لا يدرك العقل حقيقته ؛ لأنه أعلى من أن يحيط به فكره ، أو يرقى إليه إدراكه .